الشيخ محمد الصادقي
175
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
نفاذ أمره تعالى دون حاجة إلى تدرج وتمهل انه لا يريد شيئا إلا وهو كائن ، فقد أراد تكوين المادة الأولية فكانت دون تدرج ، ثم خلق منها السماوات والأرض بتدرج ، دون أن يكون ذلك التدرج المقصود فيما فيه التدرج نقصا في قدرته ، بل هو لحكمة عالية ربانية تقتضيه ، فقد يقول لأي من مراحل التكوين التدريجي « كن » فيكون كما يريد دون تمهل ضعفا في القدرة ، وهنا يتجلى معنى : « وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ » ( 54 : 50 ) و « إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » ( 36 : 82 ) . ذلك ، وباختصار نجد القول بمجرد سوى اللّه يخالفه العقل والكتاب والسنة ، فالعقل إنما يحكم بحدوث المادة والطاقات المادية ، وليس المجرد عن المادة بحاجة إلى خالق لتجرده عن الحاجة المحوجة إلى الخالق . والكتاب مصرح بأن الروح منشأ من البدن : « ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ » ( 23 : 14 ) وانه منفوخ في البدن « وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ » ( 32 : 9 ) . والسنة كلمة واحدة مصرحة بمعنى : أن الروح جسم خفيف قد ألبس قالبا كثيفا ، أو أنه كالريح لخفته . وبعد كل ذلك نتساءل القائلين بتجرد الروح ، أليس هو داخلا في البدن ، فمحدودا بحدود البدن ، ولا حد ولا أبعاد ولامكان للمجرد عن المادة ، اللّهم إلّا الطاقة المادية ، وليس النزاع في كيان الروح إلّا في أصل تجرده أو ماديته ، وأما كونه طاقة مادية - إن صدقه القائلون بتجرده - فموضع وفاق بين الطرفين ، وليس النزاع لفظيا حيث الفلسفة والبحوث الفلسفية ناحية منحى الواقع دون الألفاظ إلا نظرا إلى مدلولاتها الواقعية . حول العرش : لقد تحدثنا حول العرش على ضوء آيات تحمله ولا سيما آية حمله : « وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ » و « كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ » ( 11 : 7 ) وآية الكرسي في قياس بينه وبين العرش ، وما أشبه ، أن